القرطبي
16
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وكالقائم لا ( 1 ) يفتر وكالصائم لا يفطر ) . قال ابن المنذر : وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله . الثامنة - قوله تعالى : " وقولوا للناس حسنا " " حسنا " نصب على المصدر على المعنى ، لان المعنى ليحسن قولكم . وقيل : التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن ، فهو مصدر لا على المعنى . وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء والسين . قال الأخفش : هما بمعنى واحد ، مثل البخل والبخل ، والرشد والرشد . وحكى الأخفش : " حسنى " بغير تنوين على فعلى . قال النحاس : " وهذا لا يجوز في العربية ، لا يقال من هذا شئ إلا بالألف واللام ، نحو الفضلى والكبرى والحسنى ، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين ، مثل " الحلم " . قال ابن عباس : المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها . ابن جريج : قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتغيروا نعته . سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر . أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول ، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به . وهذا كله حض على مكارم الأخلاق ، فينبغي للانسان أن يكون قول للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر ، والسني والمبتدع ، من غير مداهنة ، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه ، لان الله تعالى قال لموسى وهارون : " فقولا له قولا لينا ( 2 ) " . فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون ، والفاجر ليس بأخبث من فرعون ، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه . وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة ، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ ، فقال : لا تفعل ! يقول الله تعالى : " وقولوا للناس حسنا " . فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي ( 3 ) . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : ( لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء ) . وقيل : أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، كقوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ( 4 ) " فكأنه قال : قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا . وحكى
--> ( 1 ) كذا في صحيح مسلم . والذي في نسخ الأصل : " لا يفتر من صلاة . . . الخ " . ( 2 ) راجع ج 11 ص 199 . ( 3 ) في بعض نسخ الأصل : " فكيف في غيرهما " . ( 4 ) راجع ج 5 ص 251 .